الرئيسية » جديد العلوم بالعربية » بعملنا كان التغير المناخي، وعلى عملنا بات يؤثر

بعملنا كان التغير المناخي، وعلى عملنا بات يؤثر

العمل والمناخ

لم يعد بإمكانه أن يحتمل أكثر، أخذ استراحةً طويلةً علّه يستعيد طاقته التي فقدها بعد أن عمل لمدة ثلاث ساعات تحت أشعة الشمس الحارقة. لم يكن الأمر كذلك قبل خمسة عشر عامًا عندما بدأ يعمل كعامل بناء، لكنه الآن مضطر لأن يعمل لعدد ساعات أكبر بعد تلك الاستراحة الطويلة.

إن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في بيئة العمل لا يفقدها عنصر الراحة فحسب، بل إن تأثيره قد يمتد ليؤثر على صحة العمال وإنتاجيتهم وقدرتهم على القيام بمهامهم بالشكل الصحيح. لا شك أن عوامل السلامة في العمل تأخذ درجات الحرارة المرتفعة في الحسبان وتوفر الإجراءات الوقائية لذلك. لكن هل ستكون تلك الإجراءات كافية في ظل ارتفاع درجات الحرارة إلى حدود أكبر من تلك التي عرفناها من ذي قبل؟

بعض المختصين يرون أن التغير المناخي يبدو أكثر وضوحًا في المناطق الحارة، حيث أن موسم الحر في المناطق الحارة سيصبح أكثر حرارة، ما يعني أن منطقة معدل درجة الحرارة فيها 40 °س سترتفع فيها درجات الحرارة بقيمة أكبر من منطقة يبلغ معدل درجة الحرارة فيها 20 °س، حتى وإن كانت نسبة الزيادة واحدة لجميع أنحاء العالم. ارتفاع معدل درجات الحرارة يعد أحد أبرز نتائج التغير المناخي كنتيجة منطقية للاحتباس الحراري العالمي، المتمثل في حبس الحرارة التي لا تمتصها الأرض داخل الغلاف الجوي ومنع عودتها إلى الفضاء الخارجي، ويشمل ذلك أيضًا تغير توزيع منحنى الحرارة على مدار اليوم، وما يترتب عليه من زيادة نسبة حدوث درجات الحرارة المرتفعة وحدّتها.

العوامل الجوية التي ترتبط بالإنتاجية تم جمعها في مصطلح المقياس الكروي الرطب (WBGT)، والذي يشمل درجة حرارة الجو المحيط، والرطوبة، والإشعاع الحراري المباشر، والإشعاع الحراري الانتشاري، وسرعة الرياح في مكان العمل [1]. وقد تم استخدامها في عدة دراسات كانت تهدف إلى معرفة نسبة وماهية تأثر إنتاجية العمال بالتغير المناخي. إحدى هذه الدراسات [2]، والتي تم نشرها في العدد الرابع والستين من مجلة (Archieve of Environmental and Occupational Health) وتناولت مناطق مناخية مختلفة شملت كافة القارات، توصلت إلى أنه بحلول عام 2080 مع ارتفاع درجات الحرارة بمعدل من 2.4 °س إلى 6.4 °س، ضمن سيناريو يفترض نمو سكاني كبير ونمو اقتصادي متوسط السرعة ومعدل انبعاثات عالي نسبياً، ستنخفض إنتاجية العمال في دول جنوب شرق آسيا، والبحر الكاريبي، ومنطقة جبال الأنديز، وأمريكا الوسطى  بمعدل (11% – 27%)، حيث أن هذه الدول تعتبر الأكثر تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة من غيرها.

“التأثير يكون أكثر وضوحًا في الأعمال المفتوحة كأعمال الطرق، حيث يتأثر العمال بدرجة كبيرة بارتفاع درجات الحرارة في الصيف، كما يتأثر العمل نفسه بزيادة حدة العواصف الماطرة في الشتاء، والتي تؤدي إلى انجراف بعض الأجزاء، أو تأخير موعد جفاف الإسمنت” هذا ما أخبرنا به أ. محمد الحسيني المدير التنفيذي لاتحاد المقاولين الفلسطينيين عند سؤاله عن مدى تأثر قطاع الانشاءات بالتغيرات المناخية في الفترة الأخيرة، مؤكداً على أن عدد الأيام الحارة قد زاد في الفترة الأخيرة مما اضطرهم إلى تغيير منهجية العمل؛ حيث أصبحت أوقات العمل المعتمدة تتركز في فترتين رئيسيتين وهما فترة ما بعد الفجر إلى ما قبل الظهر، وفترة المساء التي تبدأ من بعد العصر. وقد يضطر العاملون كذلك إلى العمل لفترات أطول لتعويض انخفاض الإنتاجية في درجات الحرارة المرتفعة.

تأثير التغير المناخي يكون أكثر وضوحًا في الأعمال المفتوحة

التأثير يكون أكثر وضوحًا في الأعمال المفتوحة. حقوق الصورة: Phil Parsons

يمكن تعميم ذلك على مختلف أنحاء العالم، ففي أي مكان وللتكيف مع درجات الحرارة المرتفعة، قد يضطر بعض العمال إلى تخفيف كثافة عملهم وسرعة إنجازهم لعملهم، أو إلى أخذ فترات استراحة أكبر أوأكثر. في حال لم يتم استدراك ذلك فإن إنتاجية العمال ستنخفض، كل ذلك سيؤثر في النهاية على سرعة إنجاز الأعمال في وقتها المحدد، وهو الأمر الذي قد يشكل خطرًا كبيرًا في بعض المشاريع. بالتالي، لتعويض ذلك الإنخفاض في الإنتاجية سيضطر العمال إلى العمل لساعات أكبر، أو سيضطر المشغل إلى توظيف عدد أكبر من العمال، أو إلى اتخاذ إجراءات وقائية للتخفيف من درجات الحرارة ان كان هناك مجال لذلك، ما يعني أن تكلفة إنجاز العمل سترتفع [3].

أي أن تأثير انخفاض الإنتاجية لا يقتصر على سرعة إنجاز العمل أو إرهاق العاملين فقط، بل يمتد ليؤثر بشكل كبير على الاقتصاد. حيث بيّن تقرير أصدرته مؤخرًا منظمة شركاء أبحاث المساعدة الإنمائية العالمية (DARA) أن انخفاض الإنتاجية الناجم عن التغيرات المناخية كلّف العالم 300 مليار دولار في عام 2010، في حين أنه من المتوقع أن تصل هذه القيمة إلى 2.5 تريليون دولار سنويًا بحلول العام 2030 [4].

ويتفاوت تأثر اقتصاد الدول تبعًا لتأثر إنتاجية العاملين، والتي تتأثر بدورها بعوامل جغرافية؛ فنجد بأن المناطق الاستوائية محدودة ومتوسطة الدخل تتأثر بنسبة أكبر من غيرها؛ كون طبيعة الأعمال الموجودة فيها تتطلب جهدًا فيزيائيًا يتأثر بدوره بارتفاع درجات الحرارة، سواء أكان ذلك في بيئات مفتوحة، أو في بيئات مغلقة لا يتوفر فيها التكييف الجيد. وعلى صعيد الوطن العربي، وبحسب تقرير [4] DARA نجد بأن تأثر الاقتصاد في جنوب السودان والصومال تبعًا لتغير الإنتاجية الناتج عن التغيرات المناخية أعلى منه في باقي الدول العربية؛ حيث من المتوقع أن يكلّف انخفاض الإنتاجية في كل من السودان والصومال ما قيمته 7,500 مليون دولار و400 مليون دولار، على التوالي لعام 2030 بما يعادل القوة الشرائية الحالية، وتم تصنيف التأثير هنا على أنه حاد. ويظهر ذلك في مساهمة العاملين المتأثرين في قيمة الناتج المحلي الإجمالي؛ حيث أنه من المتوقع أن تنخفض نسبة مساهمة العاملين المتأثرين بقيمة 7% و8% في كل من جنوب السودان والصومال على التوالي. في حين ينخفض التأثير في المناطق الأبعد عن خط الاستواء، حيث سيكلف انخفاض الإنتاجية في تونس، التي تبعد عن خط الاستواء أكثر من 4000 كم، ما قيمته 250 مليون دولار بما يعادل القوة الشرائية الحالية عام  2030، وصنف التأثير على أنه متوسط.

ولعل ذلك يذكرنا بقوله تعالى في سورة الروم: ” ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏” ‏ (الروم‏:41)‏. ما يحدث الآن من تأثيرات على الإنسان هو نتيجة لما تسبب به الإنسان بعمله.

مع ذلك فإن الأبحاث التي تدرس هذه التأثيرات ما زالت محدودة عالميًا وشبه معدومة على الصعيد العربي، الذي وإن كان ليس من ضمن الدول البارزة المسببة للتغير المناخي فإنه من أبرز الدول التي ستتأثر بنتائجه. وعليه، يجب وضع الخطط والمنهجيات الواضحة التي تدعم التوجه للبحث في هذا المجال من أجل فهم أوضح لتلك التأثيرات، وسبل علاجها أو التخفيف منها.

إعداد: إسراء ناصر الدين أبو شعبان

المصادر:-

[1] Tord K, Sabine G, Bruno L and Keith D. (2014). The ‘Hothaps’ programme for assessing climate change impacts on occupational health and productivity: an invitation to carry out field studies. Global Health Action.

[2] Kjellstrom T, Kovats RS, Lloyd SJ, Holt T and Tol RS. (2009). The direct impact of climate change on regional labor productivity. 64(4), 217-27.

[3] Kerstin K Z, Wouter J W B, Elspeth O, Tord K and Stephen T G. (2015). Heat stress causes substantial labour productivity loss in Australia. Nature Climate Change 5. 647–651.

[4] Climate Vulnerability Monitor/Labour Productivity. (2012).Development Assistance Research Associates (DARA).

حقوق صورة الغلاف: David McNew—Getty Images

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

ăn dặm kiểu NhậtResponsive WordPress Themenhà cấp 4 nông thônthời trang trẻ emgiày cao gótshop giày nữdownload wordpress pluginsmẫu biệt thự đẹpepichouseáo sơ mi nữhouse beautiful